عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
101
اللباب في علوم الكتاب
العبد معاملة المختبر ، واختلفوا في هذا الابتلاء ، فقيل : المراد ما نالهم من الشدة والفقر والقتل والجرح من الكفار ، ومن حيث ألزموا الصبر في الجهاد . وقيل : الابتلاء في الأموال بالمصائب ، وبالإنفاق في سبيل اللّه وسائر تكاليف الشّرع ، والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحباب . وبدأ بذكر الأموال لكثرة المصائب بها . وقال الحسن : التكاليف الشديدة المتعلقة بالبدن والمال ، كالصلاة والزكاة والجهاد . وقال القاضي : والظاهر يحتمل الكلّ . قوله : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً المراد منه أنواع الأذى الحاصلة من اليهود والنصارى والمشركين للمسلمين ، وذلك أنهم كانوا يقولون : عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ و الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ و « ثالِثُ ثَلاثَةٍ » وكانوا يطعنون في الرسول بكل ما يقدرون عليه ، وهجاه كعب بن الأشرف ، وكانوا يحرّضون الناس على مخالفة الرسول ، ويجمعون الناس لمحاربته ، ويثبّطون المسلمين عن نصرته ، ثم قال : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ . قال المفسّرون : بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بكر إلى فنحاص اليهوديّ ، يستمده ، فقال فنحاص : قد احتاج ربكم إلى أن نمده فهمّ أبو بكر أن يضربه بالسيف ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم قال له - حين أرسله « 1 » - : لا تغلبن على شيء حتى ترجع إليّ ، فتذكّر أبو بكر ذلك ، وكفّ عن الضرب ، فنزلت الآية . فصل [ في تأويل الآية ] فصل في الآية تأويلان : أحدهما : أن المراد منه أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالمصابرة على الابتلاء في النفس والمال ، وتحمّل الأذى ، وترك المعارضة والمقابلة ، وذلك لأنه أقرب إلى دخول المخالف في الدين ، كقوله تعالى : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ الجاثية : 44 ] وقوله : قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [ الجاثية : 14 ] وقوله : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً وقوله : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 35 ] وقوله : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [ فصلت : 34 ] . قال الواحديّ : كان هذا قبل نزول آية السيف . قال القفّال : والذي عندي أنّ هذا ليس بمنسوخ ، والظاهر أنها نزلت عقب قصة أحد ، والمعنى : أنهم أمروا بالصّبر على ما يؤذون به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على طريق الأقوال
--> ( 1 ) في أ : بعثه .